محمد بن أحمد الفرغاني
33
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
صورتي المحمدية ، وهذا البيت الثاني من جهة أنه صورة مقام جمع الجمع وقاب قوسين ، والبرزخ الثاني المنصبغ بالصبغة المذكورة صار مظهر صورة صفاتي من حيث احتجاب ذاتي بها ، كما أن في مقام جمع الجمع المذكور كانت الذات الأقدس بشؤونها ونسبها محتجبة بصورة الصفات أو الأسماء الإلهيّة والكونية ، فهذا بيتي هو مسمى بالكعبة ، وهو قلب صورتي التفصيلية التي هي العالم ، كما أن بيتي الأول قلب صورتي الإجمالية ، وهذا بيتي الثاني الذي هو الكعبة من جهة كونه قلبا لصورتي التفصيلية وصورة برزخية قاب قوسين من حيث انصباغه بصبغة التوجّه إلى كمال الاستجلاء صار قبلة لخير الأمم ، ومظهرا لظهور الصفات في احتجاب الذات بها ، كما أخبرنا عن ذلك بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض يصافح بها عباده » « 1 » ، وغير ذلك . وقلبي بيت فيه أسكن ، دونه ظهور صفاتي عنه من حجبيّتي تقدير البيت : وقلبي بيت أسكن فيه وبيت آخر لي دونه في الرتبة ، يعني الكعبة ظهور صفاتي عن ذلك البيت من حيث احتجاب ذاتي بها ، فقوله : وقلبي بيت فيه جملة اسمية مستقلّة ، ودونه خبر مبتدأ محذوف ، وهو قوله : وبيت آخر لي دونه ، وظهور صفاتي عنه من حجبيّتي جملة أخرى من مبتدأ وخبر وقعا موقع الصفة لذلك المبتدأ المحذوف ، والمعنى قد ذكر . ومنها يميني ، فيّ ركن مقبّل ، ومن قبلتي ، للحكم ، في فيّ قبلتي الحكم ههنا بمعنى الحكمة ، والضمير في منها راجع إلى الصّفات ، ومن قبلتي يتعلق بقبلتي أي تقبيلي ، وفي فيّ أيضا يتعلق بتقبيلي ، والمصراع الأول جملة ابتدائية يميني وركن مقبل مبتدأ ، ومنها خبره ، وفي المصراع الثاني تقبيلي بعض قبلتي التي هي الكعبة مبتدأ ، وواقع في فيّ لحكمة لي في ذلك خبر المبتدأ .
--> ( 1 ) أورده السيوطي في الدر المنثور وعزاه إلى الجندي عن ابن عباس ، قوله تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ . . . [ البقرة : الآية 127 ] . . . [ 1 / 325 ] ؛ ورواه الأزرقي في أخبار مكة ووقفه على عكرمة ، [ 1 / 325 ] ونصّه كاملا : « إن الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض فمن لم يدرك بيعة رسول اللّه فمسح الحجر فقد بايع اللّه ورسوله » .